علي محمد الشرفاء الحمادي وإعادة بناء الوعي الإسلامي: القرآن مرجعية التحرير وتصحيح المسار

لا يتعامل علي محمد الشرفاء الحمادي مع القرآن بوصفه نصًا تراثيًا يُستحضر للتبرك أو للتوظيف الخطابي، بل يراه مشروعًا إنسانيًا مفتوحًا أُريد له أن يقود الإنسان إلى الحرية، لا إلى الخضوع، وإلى المسؤولية الأخلاقية، لا إلى الطاعة العمياء. ومن هذا المنطلق، تأتي دعوته إلى العودة للقرآن باعتبارها محاولة جادة لإعادة بناء الوعي الإسلامي بعد قرون من التراكمات التي غيّبت جوهر الرسالة وأعلت من شأن التأويل البشري على حساب النص الإلهي.

ينطلق الشرفاء من سؤال صادم في بساطته، عميق في دلالته:
كيف يمكن لدينٍ أسّس قيم الرحمة والعدل أن يُنتج خطابًا يُبرر العنف والإقصاء وسفك الدماء؟
والجواب عنده لا يكمن في القرآن، بل في تاريخ طويل من الفهم الانتقائي الذي فصل النص عن مقاصده، وحوّل الدين من رسالة هداية إلى منظومة ضبط اجتماعي.

القرآن بين النص الحي والتاريخ الجامد

يؤكد الشرفاء أن القرآن كتاب حيّ، متجدد في عطائه، وأنه لم يُنزَّل ليكون تابعًا للرواية أو أسيرًا للتفسير، بل مرجعًا أعلى يُقاس عليه كل ما عداه. فالقرآن – في رؤيته – لا يحتاج إلى وصاية، لأنه قدّم نفسه بوضوح باعتباره:
﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾.

ومن هنا، فإن الخلل لا يكمن في النص، بل في تحويل التاريخ الديني إلى مصدر تشريع موازٍ، حتى باتت بعض القراءات الموروثة تُقدَّم بوصفها “الإسلام”، بينما يُهمّش القرآن أو يُقرأ بانتقائية تخدم مواقف مسبقة.

الرسالة لا تُفرض: البلاغ أساس الدين

من أهم الإضافات الفكرية التي يلحّ عليها الشرفاء، إعادة تحديد وظيفة الرسول ﷺ، بوصفه مبلغًا لا مسيطرًا، وداعيًا لا قاضيًا على الناس. فالقرآن – كما يقرأه الشرفاء – ينفي أي سلطة دينية على الضمائر، ويؤسس لعلاقة مباشرة بين الإنسان وربه، دون وسطاء أو مؤسسات قهرية.

فالدين في جوهره دعوة تُعرض لا قوة تُفرض، وهو ما يتجلى في قوله تعالى:
﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾،
وفي القاعدة القرآنية الحاسمة:
﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾.

ويرى الشرفاء أن أي محاولة لشرعنة الإكراه باسم “حماية العقيدة” إنما هي خروج عن روح الوحي، واستبدال للهداية بالهيمنة.

الرواية في ميزان القيم القرآنية

لا يرفض علي محمد الشرفاء الحمادي الرواية رفضًا مطلقًا، لكنه يضعها في موضعها الطبيعي: اجتهاد بشري قابل للنقد والمراجعة. فحين تتحول الرواية إلى أداة لتبرير العنف أو تكفير المختلف أو الانتقاص من قيمة الإنسان، فإنها – في نظره – تصطدم مباشرة مع القرآن، وتسقط أخلاقيًا قبل أن تسقط علميًا.

فميزان القبول عنده ليس “من قال؟” بل “ماذا قال؟”
وهل ينسجم القول مع رسالة الله التي قامت على الرحمة، كما في قوله تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾.

العنف ليس دينيًا بل تأويلي

يذهب الشرفاء إلى أن العنف الذي تشهده مجتمعاتنا ليس نابعًا من الإسلام، بل من قراءة منحرفة للإسلام، قراءة قدّست الصراع، ورفعت القتال إلى مرتبة الغاية، وألغت العقل لحساب النقل المجتزأ. ويرى أن الجماعات المتطرفة لم تفعل سوى إعادة إنتاج خطاب قديم، أُلبس ثوب القداسة، بينما هو في حقيقته نقيض للقرآن الذي جعل حفظ النفس مبدأً كونيًا.

ومن هنا، فإن مواجهة التطرف لا تكون أمنيًا فقط، بل فكريًا ومعرفيًا، عبر تفكيك الأسس التي شرعنت العنف باسم الدين.

الحرية الدينية شرط الإيمان الصادق

يضيف الشرفاء بوضوح أن الإيمان لا قيمة له دون حرية، وأن الله نفسه نفى الإكراه عن مشروعه الإلهي، لأنه أراد إنسانًا مسؤولًا، لا تابعًا. فالاختيار هو أساس المحاسبة، ولذلك فإن الحساب مؤجل إلى الآخرة، وليس من اختصاص البشر.

وبهذا المعنى، فإن حرية المعتقد ليست تنازلًا دينيًا، بل مبدأ قرآني أصيل، وشرطًا لصحة الإيمان نفسه.

العودة إلى القرآن: من الإصلاح الديني إلى النهضة الإنسانية

لا تختزل دعوة علي محمد الشرفاء الحمادي في إصلاح الخطاب الديني، بل تتجاوز ذلك إلى تصور حضاري شامل، يجعل من القيم القرآنية أساسًا لبناء الدولة العادلة، والمجتمع المتوازن، والعلاقات الإنسانية السليمة.

فالعدل، والأمانة، والسلام، واحترام الكرامة الإنسانية، ليست شعارات مثالية، بل قواعد عملية يمكن – بل يجب – أن تُترجم إلى قوانين وسلوكيات وسياسات عامة.

إن فكر علي محمد الشرفاء الحمادي يمثل محاولة شجاعة لإعادة الاعتبار للقرآن بوصفه مرجعية تحرير لا أداة تقييد، ورسالة حياة لا منظومة خوف. وهو فكر لا يدعو إلى القطيعة مع التراث، بل إلى تحرير الدين من عبء ما نُسب إليه ظلمًا، وإعادته إلى منبعه الأول: كتابٌ يهدي للتي هي أقوم

احمد الامين

شارك الخبر

بلاغ اجتماع اللجنة التنفيذية...

عقدت اللجنة التنفيذية لحزب التجديد والتقدم اجتماعًا يوم الأحد 28 دجنبر 2025 بمدينة فاس، برئاسة...

بلاغ اجتماع اللجنة التنفيذية لــحزب التجديد والتقدم

عقدت اللجنة التنفيذية لحزب التجديد والتقدم اجتماعًا يوم الأحد 28 دجنبر 2025 بمدينة فاس، برئاسة الدكتور منير بحري، قدّم خلاله عرضًا تناول مجموعة من...

حزب التجديد والتقدم يدعو إلى الاستجابة لمطالب السادة العدول باعتباره حقوقًا دستورية

بقلم الدكتورة راضية عضوة اللجنة التنفيذية على إثر اللقاء الذي عُقد يوم أمس مع حزب التجديد والتقدم، والدي تصادف مع اجتماع اللجنة التنفيذية بفاس، طرحت...

حزب التجديد والتقدم يطلق مؤتمراته الجهوية والإقليمية لتجديد هياكله التنظيمية

في إطار الدينامية التنظيمية التي يشهدها حزب التجديد والتقدم، أعلن الحزب، عبر بلاغ رسمي مرجعي تحت رقم PRP2025/12/P19، عن انطلاق سلسلة من المؤتمرات الجهوية...

نادي الموظف للأعمال الاجتماعية… منصة وطنية تعزز روح التضامن وترتقي بالخدمات الاجتماعية للموظف المغربي

يشكل نادي الموظف للأعمال الاجتماعية تجربة جمعوية وطنية رائدة تسعى إلى الارتقاء بالجانب الاجتماعي للموظف، من خلال توفير خدمات القرب وتنويع العرض الاجتماعي على...

بلاغ اجتماع اللجنة التنفيذية لــحزب...

عقدت اللجنة التنفيذية لحزب التجديد والتقدم اجتماعًا يوم الأحد 28 دجنبر 2025 بمدينة فاس، برئاسة الدكتور منير بحري، قدّم...

حزب التجديد والتقدم يدعو إلى...

بقلم الدكتورة راضية عضوة اللجنة التنفيذية على إثر اللقاء الذي عُقد يوم أمس مع حزب التجديد والتقدم، والدي تصادف مع...

حزب التجديد والتقدم يطلق مؤتمراته...

في إطار الدينامية التنظيمية التي يشهدها حزب التجديد والتقدم، أعلن الحزب، عبر بلاغ رسمي مرجعي تحت رقم PRP2025/12/P19، عن...

نادي الموظف للأعمال الاجتماعية… منصة...

يشكل نادي الموظف للأعمال الاجتماعية تجربة جمعوية وطنية رائدة تسعى إلى الارتقاء بالجانب الاجتماعي للموظف، من خلال توفير خدمات...

علي محمد الشرفاء يسأل…أين الحكومة الفلسطينية التي تُمثل الشعب الفلسطيني

في لحظة سياسية فارقة تمر بها القضية الفلسطينية أطلق الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي دعوة واضحة وصريحة إلى المجتمع الدولي مطالبًا بالاعتراف بالدولة الفلسطينية...

استرجاع وادي الذهب: ملحمة تاريخية ورؤية تنموية مستدامة

عمر أوبلا عمر في مثل هذا اليوم من عام 1979، سجل الوالد خطري عمر أوبلا وأعيان قبائل إقليم وادي الذهب صفحة مجيدة في تاريخ المغرب،...

الفن والتاريخ في سياق المقاومة الوطنية: بوصوف يسلط الضوء على دور الإبداع في معركة التحرر

في إطار الندوة الوطنية التي نظمتها المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير تحت عنوان: "الفن والتاريخ: المقاومة الوطنية أفقًا للتفكير"، ألقى الدكتور عبد...

عبد العالي رحماني يكتب: النقاب بين الحرية وتهديد الحرية

لاشك أن الجمهور لاحظ في الآونة الأخيرة انتشارا لما يدعى النقاب.والذي بدأ ينتشر في مدننا وشوارعنا وحتى في مدارسنا، وبدأ يعطي الانطباع أننا في...

عندما يتحول “الأستاذ” الجامعي من البحث العلمي إلى مجرد “فراقشي” يبيع ويشتري في الشواهد والدرجات!

إبراهيم بن مدان ذات مرة نطق المفكر لينين بحكمة بليغة قائلا: "المثقفون هم أقدر الناس على الخيانة؛ لأنهم أقدر الناس على تبريرها". هذه المقولة استحضرتها...

” المُقدس” في زمن الذكاء الاصطناعي

عبد الله بوصوف كانت لحظة إعلان وفاة البابا فرانسيس الثاني في 21 أبريل الماضي…بمثابة إعلان عن انطلاق ترتيبات مرحلة جديدة للكنيسةالكاثوليكية…إذ لم تتوقف الآلة الإعلامية...