الموهبة بين القيد والحرية: من يحق له أن يكون فناناً في عالم الأحكام الجاهزة؟

فيصل مرجاني 

إنّ اختزال الإنسان في مساره الأكاديمي أو خلفيته الاجتماعية هو إمعان في نفي فردانيته ومحو استقلاليته بوصفه كائناً يمتلك إرادة حرة وقدرة على تجاوز المحددات التي يُراد لها أن تكون قدره المحتوم. إنّ ما يحدد المسار المهني للفرد ليس شهادة يحملها ولا بيئة نشأ فيها، بل قناعته الداخلية واختياراته المبنية على إدراك ذاتي لما يريد أن يكون عليه. ومع ذلك، لا يزال العقل الجماعي في بعض المجتمعات مسكوناً بهاجس الهيمنة على مسارات الأفراد، متوهماً امتلاك الحق في مصادرة خياراتهم أو إخضاعها لمعايير تعسفية لا تستند إلى منطق سوى منطق الوصاية.

لقد أصبحت بعض المهن، وعلى رأسها الفنون، هدفاً دائماً لحملات التشكيك والانتقاص، وكأنّ الانخراط فيها هو خروج عن الأعراف أو انحراف عن المسار “الطبيعي” الذي يُفترض أن يلتزم به من نشأ في بيئة معينة أو درس في مؤسسة محددة. إنّ محاكمة شخص قرر أن يكون فناناً بحجة أنه درس في مدرسة ذات رمزية سياسية أو اجتماعية هو في جوهره تعبير عن فشل ذريع في استيعاب مفهوم الحرية الشخصية، ومحاولة ساذجة لإعادة إنتاج التصنيفات الطبقية التي تجعل من بعض الاختيارات امتيازاً حصرياً لفئة دون أخرى. ليست الموهبة موروثاً طبقياً، ولا يمكن حصر الإبداع في حدود مصطنعة يحددها انتماء الفرد لبيئة دون أخرى.

لقد تجلى هذا المنطق الوصائي مؤخراً في موجة الانتقادات التي طالت الممثلة يسرى بوحموش، لمجرد أنها اختارت دخول عالم التمثيل رغم أنها كانت طالبة في المدرسة المولوية، وكأنّ انتماءها لهذه المؤسسة التعليمية يجعل من خياراتها المهنية ملكاً للآخرين، أو يفرض عليها أن تسلك طريقاً محدداً سلفاً. هذه الهجمة تكشف عن عقلية متكلسة لا ترى في التعليم أداة للتحرر وبناء شخصية مستقلة، بل تعتبره قيداً إضافياً يحدد للفرد ما يحق له فعله وما لا يحق له.

الشيء ذاته ينطبق على المصور كريم رمزي، صديق الملك محمد السادس ورفيق دراسته، الذي اختار التصوير الفوتوغرافي كمسار مهني، دون أن يخضع لمنطق التوقعات النمطية التي ترى أن كل من درس في بيئة معينة يجب أن يسير في اتجاه محدد. إنّ خيار رمزي، كما هو الحال مع بوحموش، يذكّرنا بأنّ الحرية الفردية لا تقبل المساومة، وأنّ الإبداع لا يخضع لأي تصنيف اجتماعي أو سياسي.

لكن الهجوم على الاختيارات الحرة لا يقتصر على المجال الفني المعاصر فحسب، بل يمتد ليشمل الفنون الشعبية التي تعتبر جزءاً أصيلاً من الهوية الثقافية. لقد كانت “الشيخة” عبر التاريخ المغربي نموذجاً حياً للفنانة التي تواجه الإقصاء والازدراء، ليس بسبب فنها في حد ذاته، بل لأن المجتمع لم يستطع تقبل فكرة أن امرأة تختار التعبير الفني بحرية. لقد تعرضت الشيخة لحملات من السب والشتم، ليس فقط من قبل العامة، بل حتى من بعض رجال الدين والسياسة الذين لم يجدوا في الإبداع الشعبي سوى مبرر لإطلاق خطابهم القائم على الوصاية الأخلاقية الفارغة.

إنّ هذه الهجمات لا تعكس سوى أزمة فكرية عميقة، حيث لا يزال البعض غير قادر على التمييز بين الموقف الشخصي من الفن وبين الحق الموضوعي للآخرين في ممارسته. هذا ما تجلى أيضاً في الحملة الشرسة التي تعرضت لها الفنانة لطيفة أحرار بعد تعيينها في وكالة التعليم العالي، حيث انطلق البعض، باسم “القيم” المزعومة، إلى التشكيك في أهليتها لهذا المنصب، وكأنّ الفنان محكوم عليه بالبقاء في الهامش، محروم من أي دور رسمي أو ثقافي داخل مؤسسات الدولة.

إنّ المجتمعات التي لا تعترف بقيمة الفن هي مجتمعات تعاني من خواء ثقافي عميق، لأنّ الإبداع ليس ترفاً فكرياً، بل هو أحد أعمدة الوعي الإنساني وأدوات مقاومة الجمود الذهني. الفنان ليس مجرد كائن مسلٍّ، بل هو حامل لرسالة، وصانع للمعنى، وكاشف لأعطاب المجتمع. ولذلك، فإنّ كل محاولات إقصائه أو تقزيمه ليست سوى تجليات لخوف دفين من الوعي الذي يحمله. إنّ من يهاجم الفنان ليس لديه بالضرورة موقف من الفن ذاته، بل يخشى الحرية التي يجسدها هذا الفن.

إنّ الضيق بالأفراد الذين يختارون مسارات غير تقليدية يعكس عجزاً عن التكيف مع فكرة أن الإنسان ليس مشروعاً جماعياً، بل هو كيان مستقل له الحق في أن يكون ما يريد، لا ما يُراد له أن يكون. ليست ثمة قاعدة كونية تفرض على من درس في مدرسة نخبوية أن يصبح سياسياً أو رجل أعمال، كما لا يوجد منطق يسمح بحرمان شخص من اختيار طريقه فقط لأنّ المجتمع لم يعتد رؤية أبناء هذه الفئة في ذلك المجال. هذه الرغبة في الهيمنة على اختيارات الآخرين تكشف عن عقلية استبدادية حتى في أبسط تفاصيلها، إذ لا تقبل بأن يكون الإنسان مالكاً لذاته، بل تريد أن تبقيه خاضعاً لنظرة الآخر وأحكامه المسبقة.

إنّ كل موقف يستهين بالفن أو ينتقص من قيمة المبدعين هو في جوهره موقف يعبر عن رفض للحياة بأبعادها الواسعة، وتضييق متعمد لمساحات الجمال والحرية التي يحتاجها الإنسان ليكون كائناً مكتمل الإنسانية. الذين يرون في الفن عاراً، وفي الفنانين كائنات هامشية، هم أنفسهم الذين لا يستطيعون تخيل مجتمع قادر على إنتاج فكر نقدي أو رؤية جمالية تتجاوز السطحية التي يريدون تكريسها. ولذلك، فإنّ معركة الدفاع عن الحق في الإبداع ليست معركة فنية فقط، بل هي معركة فكرية وسياسية بامتياز، لأنها تتعلق بالمبدأ الجوهري الذي يُبنى عليه أي مجتمع حي: الحق في الاختلاف، والحق في أن يكون الإنسان ما يشاء، لا ما يريده له الآخرون.

شارك الخبر

الحزب الديمقراطي الوطني يناقش...

احتضنت قاعة علال الفاسي – أكدال بمدينة الرباط، يوم الجمعة 13 فبراير 2026، فعاليات اللقاء...

الحزب الديمقراطي الوطني يناقش بالرباط رهانات التنمية الترابية وتخليق المشهد السياسي

احتضنت قاعة علال الفاسي – أكدال بمدينة الرباط، يوم الجمعة 13 فبراير 2026، فعاليات اللقاء التواصلي الذي نظمه الحزب الديمقراطي الوطني تحت شعار "التنمية...

إشعار إلى الأسر المتضررة من فيضانات مدينة القصر الكبير

في إطار التضامن الإنساني والتكافل المجتمعي، وحرصًا على مواكبة الأسر المتضررة من فيضانات مدينة القصر الكبير، خاصة الأسر التي تضم أطفالًا في وضعية إعاقة،...

الشركة المغربية للتبغ والنقابة الوطنية للتجار والمهنيين تجددان التزامهما بدعم التفوق الدراسي لأبناء باعة التبغ

بقلم: عبد الرحمن السوسي جددت الشركة المغربية للتبغ، بشراكة مع النقابة الوطنية للتجار والمهنيين، التزامها بدعم التفوق الدراسي لأبناء باعة التبغ الحاصلين على شهادة البكالوريا،...

فيضانات القصر الكبير: جهود مشتركة للجامعة الوطنية للعاملات والعاملين الاجتماعيين، جمعية سفراء السعادة لذوي الاحتياجات الخاصة، جمعية الوئام للأشخاص في وضعية اعاقة، الاتحاد المغربي...

عرف إقليم القصر الكبير خلال الأيام الأخيرة تساقطات مطرية غزيرة أدت إلى تسجيل فيضانات بعدد من المناطق، مخلفةً خسائر مادية كبيرة ومعاناة يومية للساكنة،...

الحزب الديمقراطي الوطني يناقش بالرباط...

احتضنت قاعة علال الفاسي – أكدال بمدينة الرباط، يوم الجمعة 13 فبراير 2026، فعاليات اللقاء التواصلي الذي نظمه الحزب...

إشعار إلى الأسر المتضررة من...

في إطار التضامن الإنساني والتكافل المجتمعي، وحرصًا على مواكبة الأسر المتضررة من فيضانات مدينة القصر الكبير، خاصة الأسر التي...

الشركة المغربية للتبغ والنقابة الوطنية...

بقلم: عبد الرحمن السوسي جددت الشركة المغربية للتبغ، بشراكة مع النقابة الوطنية للتجار والمهنيين، التزامها بدعم التفوق الدراسي لأبناء باعة...

فيضانات القصر الكبير: جهود مشتركة...

عرف إقليم القصر الكبير خلال الأيام الأخيرة تساقطات مطرية غزيرة أدت إلى تسجيل فيضانات بعدد من المناطق، مخلفةً خسائر...

إشعار إلى الأسر المتضررة من فيضانات مدينة القصر الكبير

في إطار التضامن الإنساني والتكافل المجتمعي، وحرصًا على مواكبة الأسر المتضررة من فيضانات مدينة القصر الكبير، خاصة الأسر التي تضم أطفالًا في وضعية إعاقة،...

الشركة المغربية للتبغ والنقابة الوطنية للتجار والمهنيين تجددان التزامهما بدعم التفوق الدراسي لأبناء باعة التبغ

بقلم: عبد الرحمن السوسي جددت الشركة المغربية للتبغ، بشراكة مع النقابة الوطنية للتجار والمهنيين، التزامها بدعم التفوق الدراسي لأبناء باعة التبغ الحاصلين على شهادة البكالوريا،...

فيضانات القصر الكبير: جهود مشتركة للجامعة الوطنية للعاملات والعاملين الاجتماعيين، جمعية سفراء السعادة لذوي الاحتياجات الخاصة، جمعية الوئام للأشخاص في وضعية اعاقة، الاتحاد المغربي...

عرف إقليم القصر الكبير خلال الأيام الأخيرة تساقطات مطرية غزيرة أدت إلى تسجيل فيضانات بعدد من المناطق، مخلفةً خسائر مادية كبيرة ومعاناة يومية للساكنة،...

علي محمد الشرفاء الحمادي وإعادة بناء الوعي الإسلامي: القرآن مرجعية التحرير وتصحيح المسار

لا يتعامل علي محمد الشرفاء الحمادي مع القرآن بوصفه نصًا تراثيًا يُستحضر للتبرك أو للتوظيف الخطابي، بل يراه مشروعًا إنسانيًا مفتوحًا أُريد له أن...

الرباط تحتضن انطلاق معرض PHILEXRABAT 2025 في أجواء وطنية رمزية

انطلقت اليوم بالعاصمة الرباط فعاليات معرض PHILEXRABAT 2025، الحدث الطوابعي الدولي الذي يتزامن هذه السنة مع الذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء المظفّرة، في لحظة تاريخية...

الجامعة الوطنية للعاملات والعاملين الاجتماعيين تشيد بإطلاق عملية الاعتماد المهني وتثمن تجاوب وزارة التضامن

في خطوة وُصفت بالتاريخية في مسار النهوض بالعمل الاجتماعي بالمغرب، عبرت الجامعة الوطنية للعاملات والعاملين الاجتماعيين عن اعتزازها الكبير بإطلاق وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي...